محمود حمدي زقزوق

65

موسوعة التصوف الاسلامي

إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً ( فاطر : 44 ) . 1 . ولهذا فقد عرف القوم بالخلوة ، التي يقتدون فيها بحال سيد الخلق عليه الصلاة والسلام قبل البعثة ، وما دعا إليه أصحابه وبخاصة حين الفتنة ، ويقصدون منها التحرز من فضول الكلام والمخالطة مع الأنام ، والتقليل من دواعي المعصية ، خاصة في مبتدأ السلوك وأوائل الرياضة ولكنهم على وعى بعيوبها وأخطارها إذا لم تأت على وجهها ، كما يقول الطوسي : " . . . وطائفة اعتزلت ودخلت كهوف الجبال ، وظنوا أنهم بذلك يهربون من الخلق ، أو يأمنون في الجبال والخلوات من شر نفوسهم ، أو يوصلهم اللّه تعالى بالخلوة إلى ما أوصل إليه أولياءه من الأحوال الشريفة ولا يوصلهم إلى ذلك بين الناس . وقد غلطوا في ذلك ، لأن الأئمة من المشايخ الذين قل مطمعهم ودامت خلوتهم وانفرادهم واختاروا العزلة ، إنما حداهم على ذلك ودعاهم إليه داعى العلم وقوة الحال ، فورد على قلوبهم ما أذهلهم ، وشغلهم عن المعارف والأوطان ، وأخذهم عن الطعام والشراب ، وجذبهم الحق إليه جذبة أغناهم بها عمن سواه ، فمن لم يكن مصحوبه قوة الحال وغلبة الوارد ثم يتكلف ويحمل على نفسه ما لا تطيقه يظلم نفسه . . . " 9 . وما من شك أن الخلوة - بشروطها وآدابها - إحدى الوسائل التربوية والذرائع القوية للوصول إلى الهدف الروحي الذي يتوخاه الصوفي ، كما أنها أحد الأسرار وراء الأعمال العظمية في العلم والفكر والفن ، وهل كان للغزالي مثلا أن يقدم ما قدم من أعمال لولا ما مر به من انقطاع وخلوة قبل أن يعود إلى المخالطة والجلوة ؟ 2 . والصوفية هم أهل السفر والسياحة حتى قيل في وصفهم : " كانوا لا يجتمعون عن موعد ، ولا يفترقون عن مشورة " 10 . وهم الذين عنوا بآداب السفر والصحبة : " وليس من آدابهم أن يسافروا للدوران والنظر إلى البلدان وطلب الأرزاق ، ولكن يسافرون إلى الحج والجهاد ، ولقاء الشيوخ ، وصلة الرحم ، ورد المظالم ، وطلب العلم ، ولقاء من يفيدون منهم شيئا في علوم أحوالهم أو إلى مكان له فضل وشرف " 11 . وكثير من الأعمال الفنية الكبرى يرجع الفضل فيه إلى السفر والرحلة والسياحة ، ويكفى أن نشير في مجال